معنى علم المنهاج النبوي -1-

 الفهرس
تقديم
1. لماذا ضرورة تجاوز الطريقة المدرسية في تعريف العلوم
2. معنى العلم
2-1. المحور الأول: معنى العلم والأصل العلمي
تقديم
قبل الحديث عن هذا العلم الجامع لأطراف العلوم الشرعية والكونية والجاعل إياها في سياق بنائي موحد الوجهة، لابد من الإشارة إلى أن هذا الحديث ليس ترفا فكريا أو عملا أكاديميا لا علاقة له بالواقع ولا بالقضايا الجوهرية في حياة الإنسان والإنسانية، بل هو حاصل بحجم الضرورة والحاجة التي عليها الأمة وبنوعيتهما، كما أنه حاصل بحسب المطلوب من حركة الدعوة إلى الله تعالى اليوم ومستقبلا.
ولذلك فالحديث عن علم المنهاج النبوي عمل تجديدي كبير وهام لتحقيق هدفين؛ هدف علمي وآخر عملي.
أما العلمي فهو التأسيس للقاعدة العلمية التي تجمع الفهوم وتقرب كليات التصورات على الأقل، إن لم توحدها، والكشف عن الوجهة فضلا عن توفير الآلة العلمية المؤهلة لإعادة ترتيب العلوم القائمة وصياغتها بما يحقق الهدف العملي ويخدمه؛ وهو صناعة الحوافز وبناء الإرادات وتوحيدها داخل الأمة مع توحيد الوجهة والغاية عمليا وبيان المحجة اللاحبة والطريق السالك إليهما.
ومن ثمة سنتجنب الطريقة المدرسية الموروثة في تراثنا الإسلامي المتعلقة بالتعريف بالعلوم على الرغم من أهميتها وقيمتها العلمية، ذلك أنها قاصرة قصورا كبيرا في التعريف بهذا العلم وبالإحاطة بحقيقته. وقصورها ناتج عن غلبة التجريد والتجزئة عليها، وهما قضيتان جاء علم المنهاج النبوي ليعالج آثارهما السلبية من مجالات العمل الإسلامي وحركة الدعوة إلى الله تعالى علميا وعمليا كما سيتبين بعد إن شاء الله تعالى.
إننا حين نتجاوز تلك الطريقة فليس لعدم صوابها إذ تعبر عن عبقرية كبيرة متوفرة لدى علماء الأمة، بل لأننا سنستفيد منها كثيرا في تقريب ماهية علم المنهاج النبوي، ذلك أن هذا الأخير متجه رأسا إلى العمل، وهو ما يعني استحضار هذا البعد لمحوريته والبحث عن طريقة في التعريف للكشف عن آلات هذا الجانب العملي ومحاوره الكبرى لإعطاء المعنى المتكامل لهذا العلم.

1. لماذا ضرورة تجاوز الطريقة المدرسية في تعريف العلوم
تلخص الطريق الموروثة في الأبيات المنظومة المشهورة:
إن مبادي كل علم عشرهالحد والموضوع ثم الثمرة ونسبة وفضله والواضعوالاسم الاستمداد حكم الشارع مسائل والبعض بالبعض اكتفىومن درى الجميع حاز الشرفا إن قيمة تجاوز هذه المنهجية تتجلى في كون محاولة تعريف علم المنهاج النبوي لا تروم إعطاء تصور عقلي معين عن هذا العلم بقدر ما تجمع بين بناء التصور والكشف عن أصوله وقواعد ووسائل إنجازه على أرض الواقع ومراحل الإنجاز وآفاقها، ذلك أن ماهية علم المنهاج النبوي لا ينفصل فيها العلم عن العمل؛ إذ لا يؤسس علما بلا عمل ولا عملا بلا علم، إذ يكون الأخير إماما للأول. ولذلك فلا مكان لأية قيمة تجريدية عند التخاطب مع وبعلم المنهاج النبوي.
هذا من جهة التجريد، أما من جهة الجزئية والتجزئة، فإن علم المنهاج النبوي يعالج قضيتين مصيريتين في حياة الفرد والأمة؛ وهما ظاهرة البعثرة العلمية وظاهرة التجزئة السياسية والجغرافية من خلال بناء التصور السالم ومنهاج العمل القويم، ذلك أن البعثرة العلمية مصدر البعثرة العملية، والتجزئة السياسية مصدر العجز والشلل لحركة الأمة.
فعلم المنهاج النبوي عبر قواعده الكلية وما ينبني عليها إذ يؤسس التصور المتكامل، فإنه يضع الخطة العملية الشاملة الممتدة في الزمان المستقبلي للأمة والإنسانية عبورا إلى المصير الأخروي للفرد، ولذلك ينتج فقها جامعا لأنه يجمع بين مصير الفرد ومصير الأمة، ويجمع بين الدعوة والدولة، ويجمع بين قوة الأمة ووظيفتها الرسالية خدمة للإنسانية من خلال نظام الخلافة العالمي الكوني.

2. معنى العلم
وقبل الخوض في بيان ماهية علم المنهاج النبوي، استعير من الإمام الشاطبي الذي كان واعيا أن الدوران على حد العلم لن يفضي إلى مقصوده فخصص مقدمات لكتابه "الموافقات" يبين من خلالها معنى العلم نستثمرها هنا، بعون الله تعالى، من خلال المحاور التالية:
2-1. المحور الأول: معنى العلم والأصل العلمي
أولا: معنى العلم
لقد اعتمد أبو إسحاق نظرية متكاملة في عرض مفهومه للعلم، بصفة عامة، ولعلم الشريعة بصفة خاصة من خلال كتابه "الموافقات"، ويمكن تحديد خمس مرتكزات لهذه النظرية:
المرتكز الأول: العلم المعتبر شرعا هو العلم الباعث على العمل
في المقدمة الخامسة من "الموافقات" قرر الشاطبي أن "كل مسألة لا ينبني عليها عمل فالخوض فيها خوض فيما لم يدل على استحسانه دليل شرعي"[1] . وقد عنى بالعمل "عمل القلب وعمل الجوارح من حيث هو مطلوب شرعا"[2] . وكان دليله في ذلك استقراء الشريعة؛ منه قوله تعالى: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً﴾ ، "وهذا بحسب الظاهر يفيد أنهم لم يجابوا وأن هذا مما لا يحتاج في التكليف"[3] .
ومما أورده في الباب قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ .
ومن السنة قوله صلى الله عليه وسلم: "إن أعظم الناس جرما من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسألته" [4] ، "وهو مما نحن فيه، فإنه إذا لم يحرم فما فائدة السؤال عنه بالنسبة إلى العمل"[5] . و"لما سئل عليه الصلاة والسلام عن الساعة قال للسائل: "ما أعددت لها؟" [6] ، إعراضا عن صريح سؤاله إلى ما يتعلق بها مما فيه فائدة ولم يجبه عما سأل[7] .
وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "إن الله كره لكم ثلاثا: قيل وقال وإضاعة المال وكثرة السؤال" [8] . "لأنه مظنة السؤال عما لا يفيد"[9] .
ومن سيرة الصحابة ما فعله عمر ابن الخطاب مع صبيغ الذي كان كثير السؤال، حيث "ضربه وشرد به لما كان كثير السؤال عن أشياء من علوم القرآن لا يتعلق بها عمل"[10] .
وكذلك فإن بيان عدم استحسان الشارع لهذا من أوجه عدة كما ذكر ذلك الشاطبي؛ "منها: أنه شغل عما يعني من أمر التكليف الذي طُوِّقه المكلف بما لا يعني؛ إذ لا ينبني على ذلك فائدة لا في الدنيا ولا في الآخرة…. ومنها: أن الشرع قد جاء ببيان ما تصلح به أحوال العبد في الدنيا والآخرة، فما خرج عن ذلك قد يظن على خلاف ذلك، وهو مشاهد في التجربة العادية".[11] .
فالعلم الذي ليس من ورائه عمل يكون من أصول التفرق حيث ترك المشتغلون به "الاقتصار من العلم على ما يعني، وخرجوا إلى ما لا يعني، فذلك فتنة على المتعلم والعالم… وأن اتباع مثله من العلم فتنة أو تعطيل للزمان في غير تحصيل"[12] ، لأن جميع الأدلة دالة "على أن روح العلم هو العمل، وإلا فالعلم عارية وغير منتفع به"[13] .
وقد يعترض على هذا بمسألة طلب العلوم التي تكون خادمة لمصالح الأمة كالعلوم الكونية في زماننا، والعلوم التي صنفها الأئمة بعد عهد النبوة والخلافة الراشدة؛ كعلم النحو، وعلم أصول الفقه، وعلم الكلام، وغيرها من العلوم، إذ من أين يستمد طلب الشارع لها واستحسانه لذلك؟
فلا شك أن الشاطبي الذي تميز عرضه بالشمولية لن يغفل هذه المسألة. وقد عالج ذلك في مستويات من الكتابين، خاصة خلال حديثه عن مفهوم الواجب الكفائي وعن معنى البدعة وحدها.
ففي مبحث الواجب الكفائي[14] الذي عالجه بنظرة مقاصدية عميقة، قال: "فطلب الناس بالعلم والتعليم لجميع ما يستجلب به المصالح، وكافة ما تدرأ به المفاسد، إنهاضا، لما جبل فيهم من تلك الغرائز الفطرية، والمطالب الإلهامية؛ لأن ذلك كالأصل للقيام بتفاصيل المصالح… وفي أثناء العناية بذلك يقوي في كل واحد من الخلق ما فطر عليه… فترى واحدا قد تهيأ لطلب العلم، وآخر لطلب الرياسة، وآخر للتصنيع ببعض المهن المحتاج إليها، وآخر للصراع والنطاح إلى سائر الأمور"[15] .
أما عند حديثه عن حد البدعة، فأورد اعتراضا على كلامه على شكل سؤال عن العلوم التي لم يدل دليل جزئي على شرعيتها من أين تستمد ذلك؟
فبعد أن قرر من خلال الحد أن خاصة البدعة أنها خارجة عما رسمه الشارع، أشار إلى أن "بهذا القيد انفصلت عن كل ما ظهر لبادي الرأي أنه مخترع مما هو متعلق بالدين كعلم النحو والتصريف، ومفردات اللغة، وأصول الفقه، وأصول الدين، وسائر العلوم الخادمة للشريعة، فإنها وإن لم توجد في الزمان الأول؛ فأصولها موجودة في الشرع…
فإن قيل فتصنيفها على ذلك الوجه مخترع؟
فالجواب: أن له أصلا في الشرع…. ولو سلم أنه ليس في ذلك دليل على الخصوص؛ فالشرع بجملته يدل على اعتباره، وهو مستمد من قاعدة المصالح المرسلة"[16] .
وبذلك فكل "علم خادم للشريعة داخل تحت أدلته التي ليست بمأخوذة من جزئي واحد" [17] .
-يتبع-
الباحث والكاتب مبارك الموساوي