فاتح ماي


فاتح ماي...عيد العمال...ونفق النقابية التقليدية



مرت حوالي أكثر من قرنيين على بدايات الوعي والممارسة النقابين، وقد تحقق بهما الكثير لصالح الإنسانية والإنسان بفضل عمل كثير من الرجال والنساء، قليل منهم سجل في سجلات التاريخ والغالبية لا ذكرها.

واليوم وإذ تعرف النقابة والنقابية أزمة حقيقية؛ سواء من حيث جوهر التصور النقابي أومن حيث الممارسة النقابية، فإن من أهم ما يقتضيه المقام اليوم مركزا مايلي:

1- إن المرحلة التاريخية في بعدها النقابي تؤشر على أن سقف المطالب التي رفعها العمل النقابي منذ بداياته لم تعد مناسبة إطلاقا كجوهر للممارسة النقابية وإطار لبناء النقابة؛ فقد تبين أن فكرة التقاعد لم تعد اليوم إلا وهما بعد أن اصبح العامل غارقا في ظروف عمل معقدة تنظيميا واجتماعيا وفي سياق تواصلي رهيب، مما يجعله متوفيا معنويا عمليا قبل سن التقاعد الذي لا حل لأزمته ضمن صيرورة الأوضاع الاجتماعية المتداخلة بشكل شبه كلي في ظل العولمة بين الشعوب والدول، وبعامل الحروب التي تضرب في كل مكان والتوترات التي تحيط بكل مجتمع وتنخر كيانه، وبعامل التحول الكبير في موقع الدولة وطبيعتها التنظيمية، وبعامل نوع القيم السائدة في علاقات الانتاج والاختراق المرعب للشركات الكبرى لكل حقول الحياة المعرفية والسياسية وغيرها.  

كما تبين أن ساعات العمل المستقر عليها في 8 ساعات لم تعد معيارا للحق الإنساني في الباب وضمانا لوقت الحياة بالنسبة إليه، نظرا لكثافة العمل والضغط الناتج عنه بحيث احتلت أوقات العمل الرسمية والإضافية الحيز الكبير جدا من يوم الإنسان، مما نتج عنه اضطرابات نفسية وصحية بالنسبة للعامل واختلالات جوهرية في العلاقات الاجتماعية، إذ فقدت بشكل غريب أوقات الحيز المعنوي الذي يجعل للإنسان معنى لوجوده.

2- لذلك، لا مفر من حتمية إعادة النظر في نظام التغطية الاجتماعية وفق نظرة شمولية للعمل في تناسق مع إعادة النظر في أوقات العمل لتخفيضها بإعادة النظر جذريا في نظام الأجور حتى يكون عادلا، وفي نظام فرص العمل حتى يضمن الكل منصبا، الأمر الذي سيوفر ديناميكية قوية محكومة باستراتيجية تنومية شاملة ترتكز على عمق القيم الإنسانية الفطرية ومنطق الاستخلاف في الأرض وتسخير الكون للإنسان حتى تتوفر شروط العبودية الكاملة لهذا الإنسان ضمن تفاعل إيجابي مع نظام الكون وسننه حتى تكون الأجيال لبنات بنائية في ما بينها.

3-إن جعل مطلب الزيادة في الأجر رهان على عامل نفسي لصناعة الوهم النضالي في الوقت الذي تملك المؤسسات المالية والإنتاجية في سياق الاستضعاف القدرة على حسم معادلات الصراع الاجتماعي لصالحها في ظروف عولمية تضمن تماسك هذه المؤسسات وتقوض الفعل التحرري في بعده السياسي والاجتماعي والاقتصادي، خاصة لما تفقد الحوافز الإنسانية فتضطر إلى التحالف مع كل قوى الشر لتحقيق أهدافها.

لذلك لابد من تغيير أرضية النضال النقابي جذريا وفتح سقف مطالب لا يوفر حفنة مال فقط للإنسان، لأنه ليس دابة، وإنما مع ذلك يضمن له من الوقت ليقوم بمهامه الأصلية لتلبية حاجاته المعنوية والروحية التي تكون أرضيتها الصلبة وشرطها المادي هو الاستقرار المالي الضروري الذي يضمن الاستقرار الاجتماعي والأمان المجتمعي. 

4- وكل ذلك يفرض على النقابية الجديدة أن تملك تصورها التحرري الإنساني الشمولي الذي يشكل الحافز والضامن للفعل النقابي حيث تصبح المطالب الغائية في وضوحها المحرك الأول للنضال اليومي قصد تحقيق الشروط المادية والنفسية لكمال حرية الانسان.

5- لم يبق خيار للاحتفال بعيد العمال بالرهان على الزيادة في الأجور وتحسين أوضاع ما بعد وهم التقاعد، لكن الرهان على تغيير أرضية النضال النقابي ومعناه وأفقه وشكله التنظيمي والهيكلي بما ينسجم ومطالب اللحظة التاريخية في بعدها الإنساني الشامل.

بهذا فقط يمكن أن نطل على مستقبل التحرر والحرية.


مبارك الموساوي
ليلة فاتح ماي 2018